العمـل المـوسيقـي بـين التلقـائيـة والعلـم الأكـاديمـي
|
هل صحيح أنه كلما كان العمل الموسيقي أكثر تلقائية وعفوية، كان أصدق في جماليته وتأثيره؟! سؤال طرحه العديد من مفكري هذا الفن على مر التاريخ بعد أن استغرقوا في الإطار الجمالي المنبعث من أطياف أثيرية لطبقات النغم المحملة بقواعد التأليف الموسيقي المتطور كالهارموني والبوليفوني وغيرهما، وقد أجاب بعضهم بعد أن اجترح «تيمات» وأفكاراً حداثية وما بعد حداثية قلبت المفاهيم الموسيقية الموروثة رأساً على عقب، بأن الموسيقى هي أولاً وقبل كل شيء كل ما ينبعث من أصوات في الطبيعة والحياة، وهو رأي له مريدوه كما له معارضوه، فلا يمكن بأي حال من الأحوال تنميط ونمذجة (الروح الموسيقية الخاصة) في إطار أو قالب واحد لا يتغير ولا يعيش حاضره بكل مفاهيمه ورؤاه المستقبلية. وقد يكون هذا المفهوم المغاير لدور الموسيقى صحيحاً إلى حد ما، بما يلائم التقلبات المذهلة والمتسارعة التي تداخلت فيها مفاهيم فلسفية ونقدية، بما وسع مناخات هذه الحداثة إلى أن وصلت إلى درجة من الهذيان والتطرف بعد تحطيم كل القواعد والأسس التي قام عليها البناء المعماري السابق لهذا الفن منذ انبعاثه وصولاً إلى نتاجات وتجارب الموسيقى المعاصرة التي قفزت بدورها على إرث إبداعي تميز على الدوام بجماليته وتوقه إلى الفرح الموسيقي الموعود عبر هذه المفاهيم الجمالية والنقدية، وذلك بعد اصطفاء الأذن البشرية لحروف الأبجدية الموسيقية التي تماهت مع حضارات الموسيقى التي قامت بفعل ارتقاء الممالك القديمة سياسياً واجتماعياً ما جعل هذا الفن عاملاً مؤثراً وفاعلاً في تكوين الشخصية الثقافية لتلك المجتمعات البشرية التي امتلكت ذائقة سمعية وبصرية مهمة كما تنبئ عنها النصوص الموسيقية القديمة التي استودعتها مكتبات وأرشيف هذه الممالك إضافة إلى المشاهد الآثارية الممتدة في بقاع الأرض التي قامت عليها هذه الممالك وهو ما مكن الموسيقا والمؤلف من خوض أعقد التجارب عبر مسير إبداعي ما كان له أن يتحقق لولا انصهار العديد من المفردات الموسيقية لتشكل لاحقاً مفهوم المقامية الذي بقي يقدم نتاجاته إلى وقت متأخر حتى ثار وقوض بنيانه العديد من المؤلفين في الغرب الذين استلهموا طريقاً موسيقياً مغايراً يبتعد- حسب رأيهم- عن كل مناخات النمذجة والتنميط لتبدأ الفوضى الموسيقية العارمة مع (شونبرغ وألبن بيرغ وأنطون فيبرن) وغيرهم عبر اجتراح الموسيقا الاثنتي عشرية التي غلّبت الجانب الرياضي المعقد على الجانب السمعي الجمالي المعهود، وهي تجارب لاقت الكثير من النقاش والآراء المتعارضة إلى حد التناقض فمنها ما أثنى على هذه الروح الجديدة في الكتابة الموسيقية المتقدمة التي قد لايفهمها المتزمتون والتقليديون ومنها ما هاجمها بقوة لأنها قوضت إرثاً جمالياً وتقاليد سمعية عمرها آلاف السنين. عن ذلك نقف عندما كتبه المايسترو الشهير (عزيز الشوان) في كتابه الممتع (الموسيقا تعبير نغمي ومنطق) حيث يقول: «إن الجرأة في التجديد ضرورة ولكن تحطيم القواعد والأصول لا يمكن أن يعطي فناً له بقاء.. إنه بدعة سرعان ما تزول دون أن تترك أي أثر ويخطئ من يتصور أن النظام المقامي (Tonal System) قد انتهى عصره بفعل التجديدات الكروماتيكية التي ابتكرها ريتشارد فاجنر وسيزار فرانك أو بفعل التأثيرية الفرنسية عند دي بوسي ورافيل، كما أن اللامقامية التي ابتدعها أرنولد شونبرج أو الاثنتي عشرية (Dedecaphon) التي هندسها في اتجاهات متطرفة عرضت الجمال في الموسيقا للاختفاء أو الزوال بل أستطيع أن أقول إنها دمرت الجمال والسلاسة والبساطة وقضت عليها تماماً بحجة التعبير عن أحاسيس جديدة تناسب عصر ما بعد الحروب أو عصر القلق. ولتصوير تلك الأحاسيس يستعمل هؤلاء المجددون كتلا صوتية شديدة التنافر أقرب إلى الإزعاج منها إلى الاستمتاع بحجة اكتشاف أشكال جديدة أو الانصياع دون ترو لرغبة التجديد حتى لو كانت النتيجة إلى أسوأ». وهكذا نرى كيف أن هذه التجارب على الرغم من مشروعيتها وحضورها، لاقت الكثير من الجحود والنكران والآراء النقدية غير المنصفة في كثير من قراءاتها، والتي زعمت- وهذا صحيح إلى حد بعيد- أن هذه التجارب قد نسفت كل المفاهيم والقيم الموسيقية المثلى التي شاعت على مدى مدارس وتقاليد موسيقية متواترة كانت فيها الموسيقا تلعب دوراً عظيماً وراسخاً في التعبير عن مكنونات الإنسان المتلقي بآلامه وآماله تعبر بتأثيراتها البينة عن كافة تفاصيل حياته بتقلباتها الكثيرة دون أن يعني ذلك المكوث الطويل والمترهل في الأرض الموسيقية نفسها؛ ودون أن يعني ذلك أيضاً الإبقاء على هذا الإرث الإنساني البديع، دون أن تمتد له يد التجديد والنقد والمساءلة وهنا لابد من التأكيد على أن العديد من التجارب اجترحت أسلوباً وتقنيات غير مطروقة في الكتابة ضمن الرؤية الحداثية حتى إن ظهرت للوهلة الأولى أنها انفصمت عن كل هذا الإرث والتقاليد الموروثة التي تأصلت واستراحت في ذاكرة ونفسية هذا المتلقي، إلا أنه في الوقت ذاته لابد من القول هنا إن بعض هذه الاتجاهات والرياح الموسيقية ذهبت إلى حدود من التعقيد والانحراف عن المسار الإنساني العظيم لهذا الفن، بما تفتقر للقيم الجمالية والتعبيرية والأمثلة على ذلك أكثر من أن تعد أو تحصى في كافة موسيقا الشعوب. ولما كانت الموسيقا في كل الأزمنة هي الجمال المسموع، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتقبل هذا المتلقي أي عمل غابت أو غيبت عنه روح الجمال والعذوبة بحجج البحث عن الجديد الذي يلائم العصر وإيقاعه اللاهث الصاخب الذي تضيع معه إنسانية وجوهر هذا الفن النبيل. وهكذا لابد من العودة إلى السؤال الذي افتتحنا به مقالنا المتواضع هذا لنقول: إنه وعلى مر التاريخ أثبت العمل الموسيقي حضوره وتأثيره عبر إطاره الجمالي الذي ينبع من التلقائية والعفوية المغلفة بمفردات علمية لاشك في دورها، وأغلب الأعمال الموسيقية العظيمة في كافة موسيقا الشعوب جاءت بعد تناغم هذه المفاهيم بهارمونية آسرة ما بين العلم ومفرداته وبين الروح وتوقها إلى الفرح، أليس كل توق الموسيقا هو إلى الفرح!؟ |